فخر الدين الرازي
133
تفسير الرازي
واعلم أن الحسد لا يحصل إلا عند الفضيلة ، فكلما كانت فضيلة الانسان أتم وأكمل كان حسد الحاسدين عليه أعظم ، ومعلوم أن النبوة أعظم المناصب في الدين ، ثم إنه تعالى أعطاها لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وضم إليها انه جعله كل يوم أقوى دولة وأعظم شوكة وأكثر أنصاراً وأعواناً وكل ذلك مما يوجب الحسد العظيم . فاما كثرة النساء فهو كالأمر الحقير بالنسبة إلى ما ذكرناه ، فلا يمكن تفسير هذا الفضل به ، بل إن جعل الفضل اسما لجميع ما أنعم الله تعالى به عليه دخل هذا أيضا تحته ، فأما على سبيل القصر عليه فبعيد . واعلم أنه تعالى لما بين أن كثرة نعم الله عليه صارت سببا لحسد هؤلاء اليهود بين ما يدفع ذلك فقال : * ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما ) * ( النساء : 54 ) والمعنى أنه حصل في أولاد إبراهيم جماعة كثيرون جمعوا بين النبوة والملك ، وأنتم لا تتعجبون من ذلك ولا تحسدونه ، فلم تتعجبون من حال محمد ولم تحسدونه ؟ واعلم أن * ( الكتاب ) * إشارة إلى ظواهر الشريعة * ( والحكمة ) * إشارة إلى أسرار الحقيقة ، وذلك هو كمال العلم ، وأما الملك العظيم فهو كمال القدرة . وقد ثبت أن الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة ، فهذا الكلام تنبيه على أنه سبحانه آتاهم أقصى ما يليق بالانسان من الكمالات ، ولما لم يكن ذلك مستبعدا فيهم لا يكون مستبعدا في حق محمد صلى الله عليه وسلم . وقيل : إنهم لما استكثروا نساءه قيل لهم : كيف استكثرتهم له التسع ، وقد كان لداود مائة ولسليمان ثلاثمائة بالمهر وسبعمائة سرية ؟ ثم قال تعالى : * ( منهم من آمن به ومنهم من صد عنه ) * واختلفوا في معنى " به " فقال بعضهم : بمحمد عليه الصلاة والسلام ، والمراد أن هؤلاء القوم الذين أوتوا نصيبا من الكتاب آمن بعضهم وبقي بعضهم على الكفر والانكار . وقال آخرون : المراد من تقدم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . والمعنى أن أولئك الأنبياء مع ما خصصتهم به من النبوة والملك جرت عادت أممهم فيهم أن بعضهم آمن به وبعضهم بقوا على الكفر ، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء القوم ، فان أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت ، وذلك تسلية من الله ليكون أشد صبرا على ما ينال من قبلهم . ثم قال : * ( وكفى بجهنم سعيرا ) * أي كفى بجهنم في عذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين . سعيرا ، والسعير الوقود ، يقال أوقدت النار وأسعرتها بمعنى واحد .